معضلة مبابي في ريال مدريد.. أرقام خيالية تهدد بتحويل الفريق الملكي إلى وصيف دائم في أوروبا
على المستوى الفردي البحت لا يملك أي متابع لكرة القدم إلا أن ينحني احتراماً للأرقام المرعبة التي يسجلها المهاجم الفرنسي كيليان مبابي بقميص ريال مدريد منذ انتقاله المجاني إلى العاصمة الإسبانية في صيف عام ألفين وأربعة وعشرين. النجم القادم من باريس سان جيرمان لم يتوقف عن هز الشباك منذ أن وطأت قدماه أرضية ملعب سانتياغو برنابيو. ثلاثة وثمانون هدفاً في أول سبعة وتسعين مباراة فقط بقميص الميرينغي هي حصيلة لا يصل إليها إلا عباقرة اللعبة الأفذاذ.
في الموسم الحالي وحده سجل مبابي تسعة وثلاثين هدفاً في مختلف البطولات والمسابقات وهو رقم لم يتفوق عليه سوى هاري كين مهاجم بايرن ميونخ الألماني بين جميع لاعبي الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى. هذه الأرقام مطابقة تماماً لتلك التي اعتاد الجميع رؤيتها من اللاعب عاماً بعد عام خلال فترته الذهبية مع نادي العاصمة الفرنسية. لا يمكن لأي مشكك أن ينكر أن مبابي هو بالفعل أحد أكثر اللاعبين حسماً وتأثيراً في جيله الحالي.
النجم الفرنسي يمتلك غريزة قاتلة أمام المرمى لا ترحم. بمجرد أن تلوح له فرصة ولو نصف فرصة فإن الشباك تهتز في غالبية الأحيان. الأكثر من ذلك أن كيليان كثيراً ما يصنع الفرص لنفسه بنفسه مستخدماً سرعته الخارقة وقوته الجسدية المذهلة وخفة حركته التي تمكنه من الإفلات من أشد الرقابات الدفاعية صرامة. إنه باختصار آلة تهديفية متكاملة الأركان يصعب إيقافها.
لكن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية وليس في الأرقام الفردية. فمع ارتفاع أسهم مبابي وازدياد شهرته تضخمت الأنا الخاصة به بشكل خطير وموازٍ لنمو أرقامه. النجم الفرنسي الذي بلغ السابعة والعشرين من عمره لا يشعر بالرضا الكامل والسعادة المطلقة إلا إذا كان الرجل الأول والأوحد في المنظومة. وبما أنه أغلى وأثمن أصل مملوك لريال مدريد على الإطلاق فإن إدارة النادي الملكي تجد نفسها مضطرة للانصياع لرغباته وتدليله بشكل مفرط.
الحقيقة التاريخية التي يجب التوقف عندها طويلاً أن مبابي لم يقبل مطلقاً فكرة لعب دور الرجل الثاني خلف أسماء مثل نيمار جونيور وعثمان ديمبلي خلال مسيرته في حديقة الأمراء. هذه العقلية ذاتها انتقلت معه إلى العاصمة الإسبانية حيث يطالب بنفس المكانة الخاصة والامتيازات الاستثنائية متفوقاً بذلك على نجمين بحجم فينيسيوس جونيور وجود بيلينغهام اللذين كانا في الأصل قائدي المشروع الجديد قبل وصوله.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة والتفكير هو أن باريس سان جيرمان لم يتمكن من تحقيق لقب دوري أبطال أوروبا الأول في تاريخه إلا بعد رحيل مبابي عن النادي الباريسي. هذه ليست صدفة عابرة بل هي نتيجة منطقية لنهج تكتيكي كامل. وجود مبابي جعل الفريق الباريسي أحادي البعد بشكل مفرط ومعتمداً بشكل شبه كلي على لحظة إلهام فردية من نجمه الأول. هذا الإدمان التكتيكي على اللاعب هو بالضبط المشكلة التي بدأت تظهر ملامحها الآن في ريال مدريد.
الفريق الملكي تحول تدريجياً إلى كيان كروي يدور في فلك مبابي وينتظر دائماً أن يحل النجم الفرنسي المعضلة بمفرده. فينيسيوس الذي كان في طريقه للفوز بالكرة الذهبية قبل عامين تحول إلى لاعب هامشي في العديد من المباريات الكبرى. بيلينغهام تراجع تأثيره التهديفي بشكل ملحوظ مقارنة بموسمه الأول لأن الكرة صارت تمر عبر محطة واحدة إجبارية قبل الوصول إلى مرمى المنافسين.
حتى خط الوسط بقيادة فالفيردي وكامافينغا أصبح يؤدي أدواراً دفاعية بحتة لتغطية المساحات التي يتركها النجم الفرنسي الذي لا يؤدي واجباته الدفاعية بنفس الانضباط.
تحليل سريع: ماذا يعني هذا الخبر؟
المشهد الحالي في ريال مدريد يحمل نذير خطر حقيقي لمستقبل النادي على المدى القريب والمتوسط. النهج الأحادي المتمحور حول مبابي قد يحقق بطولات محلية هنا وهناك وقد يصل بالفريق إلى أدوار متقدمة في أوروبا بفضل ومضات فردية. لكنه بالتأكيد لن يصنع فريقاً مهيمناً وقادراً على حصد دوري أبطال أوروبا بشكل متكرر. الفرق التي تفوز بالبطولات الكبرى باستمرار هي تلك التي تمتلك منظومة متكاملة وليس نجماً واحداً مهما بلغت عبقريته. ريال مدريد الحالي يسير على خطى باريس سان جيرمان القديم بكل تفاصيله. الأرقام الفردية مبهرة والجماهير تستمتع بالأهداف لكن خزائن البطولات الكبرى قد تبقى فارغة من الكأس ذات الأذنين الكبيرتين. إدارة بيريز ومدربه القادم مطالبان بإيجاد صيغة تجعل من مبابي جزءاً من المنظومة لا المنظومة كلها وإلا فإن مصير الفريق الملكي قد يكون وصافة أبدية خلف الفرق التي تمتلك مشروعاً جماعياً حقيقياً.

